عبد الرحمن السهيلي
53
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
في الأرض ، فتعات به أبناء فارس ، وحذرته من شتات الشمل بعده ، وشماتة العدو ، فاستخلف عليهم : كي لهراسب ، بن كي اجو ، بن كي كينة ، بن كي قاووس المتقدم ذكره ، ولا أدري : هل رستم الذي قتله إسفندياذ هو رستم صاحب كي قاووس ، أم غيره ، والظاهر أنه ليس به ، لأن مدة ما بين كي قاووس وكي يستاسب بعيدة جداً ، وأحسبه كما قدمنا أنه كان من الترك ، وهذا كله كان في مدة الكينية ، وعند اشتغالهم بقتال الترك استعملوا بخت نصر البابلي على العراق ، فكان من أموره مع بني إسرائيل وإثخانه فيهم ، وهدمه لبيت المقدس وإحراقه للتوراة وقتله لأولاد الأنبياء ، واسترقاقه لنسائه ملوكهم ولذراريهم مع عيشه في بلاد العرب حين جاس خلال ديارهم ، ما هو مشهور في كتب التفاسير ، ومعلوم عند أصحاب التواريخ . فهذه جملة مختصرة تشرح لك ما وقع في كتاب ابن إسحاق من ذكر رستم وإسفندياذ ، وكانت الكينية قبل مدة عيسى ابن مريم ، أولهم في عهد أفريدون قبل موسى عليه السلام بمئين من السنين ، وآخرهم في مدة الإسكندر بن قليس والإسكندر هو الذي سلب ملكهم ، وقتل دارا بن دارا ، وهو آخرهم ، ثم كانت الأشغانية مع ملوك الطوائف أربعمائة وثمانين عاماً ، وقيل : أقل من ذلك في قول الطبري ، وقول المسعودي : خمسمائة وعشر سنين في خلال أمرهم بعث عيسى ابن مريم ، ثم كانت الساسانية نحواً من ثلاثين ملكاً حتى قام الإسلام ، ففض خدمتهم . وخضد شوكتهم ، وهدم هياكلهم ، وأطفأ نيرانهم التي كانوا يعبدون ، وذلك كله في خلافة عمر . سورة الكهف ترد على استفسارات اليهود : فصل : وذكر ابن إسحاق إرسال قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى يهود ، وما رجعا به من عندهم من الفصل بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، فسألوه عن الأمور الثلاثة التي قالت اليهود : إن أخبركم بها فهو نبي وإلا فهو متقول ، فقال لهم : سأخبركم غداً ، ولم يقل : إن شاء الله ، فأبطأ عنه الوحي في قول ابن إسحاق خمسة عشر يوماً ، وفي سير التيمي وموسى بن عقبة أن الوحي إنما أبطأ عنه ثلاثة أيام ، ثم جاء جبريل بسورة الكهف . افتتاح الرب سبحانه بحمد نفسه : وذكر افتتاح الرب سبحانه بحمد نفسه ، وذكر نبوة نبيه حمده لنفسه تعالى خبر باطنه الأمر والتعليم لعبده كيف يحمده ، إذ لولا ذلك لاقتضت الحال الوقوف عن تسميته ، والعبارات عن جلاله ، لقصور كل عبارة عما هنالك من الجلال ، وأوصاف الكمال ، ولما كان الحمد واجباً على العبد قدم في هذه الآية ليقترن في اللفظ بالحمد الذي هو واجب عليه ، وليستشعر العبد وجوب الحمد عليه ، وفي سورة الفرقان قال : « تباركَ الذي نَزَّل الْفُرقانَ على عبده » وبدأ بذكر الفرقان الذي هو الكتاب المبارك . قال الله سبحانه : « وهذا كتابٌ أنزلناه مُبَاركٌ » فلما افتتح السورة بتبارك الذي ، بدأ بذكر الفرقان ، وهو الكتاب المبارك ، ثم قال : على عبده ، فانظر إلى تقديم ذكر عبده على الكتاب ، وتقديم ذكر الكتاب عليه في سورة